أستاذ مساعد في كلية الاقتصاد بجامعة قطر
تضع الأزمات الجيوسياسية الحادة والتهديدات المتكررة للملاحة في مضيق هرمز اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار هيكلي شامل وغير مسبوق.
على مدى عقود من الزمن ارتكز النموذج الاقتصادي الخليجي على معادلة (تصدير الهيدروكربونات وتمويل الإنفاق العام من العائدات المباشرة)، غير أن أي اضطراب سياسي أو عسكري أو اقتصادي مفاجئ، ينعكس مباشرة على حركة سلاسل الإمداد والتوريد ويقفز بأسعار الخام الى مستويات قياسية، ما يكشف بعد كل أزمة خطورة الاعتماد المفرط على الخارج، ويجعل من سياسات الانتقال نحو نموذج اقتصادي مرن ضرورة أمنية واقتصادية قصوى، تقصي الرهان على المنفذ البحري الوحيد .
لقد أثبتت الأزمة الراهنة أن على دول الخليج إعادة اكتشاف حركة السلسلة الاقتصادية المحلية لخلق طلب داخلي قادر على امتصاص الصدمات. فعندما تتوقف سلاسل التوريد العالمية، يتصدر تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة قائمة الأولويات، بوصفه خياراً تنموياً مؤجلاً وضرورة لامتصاص الصدمات وتوليد الوظائف.
وعلى الرغم من أن هذه المؤسسات تمثل أكثر من 90% من إجمالي المنشآت المسجلة في دول الخليج، إلا أن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز نطاق 15% إلى 30%—وهي النسبة الأدنى مقارنة بنحو 40% في الأسواق الناشئة وما يقارب 70% من التوظيف في اقتصادات منظمة التعاون والتنمية.
يعود هذا الخلل البنيوي إلى أن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا يستحوذ إلا على أقل من 10% من إجمالي الإقراض المصرفي بالمنطقة، فيما تقتصر حصة تمويله في الخليج على 2% فقط من مجمل القروض مقارنة بـ 27% في دول منظمة التعاون والتنمية، وهو ما خلق فجوة ائتمانية حادة تقدر بـ 250 مليار دولار.
لذا، فإن ردم هذه الفجوة وتوفير البيئة التمويلية المناسبة لحماية تلك الشركات يمنحها القدرة على التكيف السريع والعمل كشريان حياة للاقتصاد. ويتكامل هذا المسار مع تفعيل سياسات صارمة للمحتوى المحلي تعطي الأولوية للمنتج الوطني في المشتريات الحكومية وتخلق بدائل لسلاسل الإمداد المنقطعة، إلى جانب تسريع الربط اللوجستي البري عبر شبكات القطارات والسكك الحديدية لتخفيف الارتهان القسري للمسارات البحرية وتقليل المخاطر الجيوسياسية على التجارة البينية.
إن تحريك هذه العجلة الاقتصادية وتوجيهها نحو الداخل يتطلب هندسة مالية ونقدية مبتكرة. ففي جانب السياسة المالية، لم يعد توسيع نطاق الاقتراض الداخلي عبر إصدار صكوك وسندات سيادية بالعملة المحلية خياراً نظرياً؛ إذ بلغت إصدارات السندات والصكوك الأولية في دول المجلس نحو 189 مليار دولار في عام 2025 بزيادة ناهزت 28% عن العام السابق، فيما تجاوز رصيد الصكوك القائمة عالمياً تريليون دولار للمرة الأولى.
وتتجه الإصدارات بالعملات المحلية لقيادة المشهد مع تراجع الإصدارات الأجنبية بضغط التوترات الإقليمية، وهي خطوة كفيلة بامتصاص السيولة الفائضة لدى المؤسسات المالية الوطنية وإعادة توجيهها نحو مشاريع البنية التحتية والإنتاج.
أما على صعيد السياسة النقدية، فيُفترض بالبنوك المركزية الخليجية تجاوز أدوارها التقليدية المقتصرة على ضبط معدلات الفائدة وإدارة أسعار الصرف، نحو الاضطلاع بدور أكثر ديناميكية من خلال الائتمان الموجه.
ويتم ذلك عبر تقديم خطوط تمويل ميسرة للبنوك الوطنية مشروطة بتوجيهها لقطاعات حيوية مثل الأمن الغذائي والتصنيع والتكنولوجيا، بل واعتماد أشكال متقدمة من التيسير الكمي الموجه لشراء أوراق مالية صادرة عن مشاريع محلية استراتيجية، بما يضمن خفض تكلفة الإقراض الاستثماري وتأمين التدفقات النقدية اللازمة في أحلك ظروف الأزمة.
ولا تكتمل دائرة هذا التحول الهيكلي إلا بإعادة تموضع كبار الفاعلين الماليين في المنطقة، وعلى رأسهم الصناديق السيادية الخليجية التي تجاوزت أصولها 5 تريليونات دولار، لتشكل أكثر من 40% من إجمالي أصول الصناديق السيادية عالمياً.
لقد اعتادت هذه الصناديق توجيه جانب كبير من أصولها نحو الأسواق المالية العالمية، إلا أن تغير الواقع الجيوسياسي يفرض إعادة توازن استراتيجية لصالح الاقتصاد الوطني لتتحول إلى مستثمر ملاذ أخير يقود توطين الصناعة، ومجمعات الطاقة البديلة، والموانئ البرية والمناطق اللوجستية، مما يحمي الثروة الوطنية ويخلق قيمة مضافة داخل الحدود. وعلى النحو ذاته، ينبغي للبنوك الوطنية أن تتخلى عن نمط الإقراض المتركز على القروض الاستهلاكية والأنشطة العقارية غير الإنتاجية، لتصوب محفظتها الائتمانية مباشرة نحو قطاعات الأعمال والتصنيع التي تضمن استدامة الدورة الاقتصادية.
بطبيعة الحال، ينطوي ضخ السيولة التوسعية في بيئة تعاني من تراجع الواردات على أخطار ضغوط تضخمية قد تضغط على الأسعار القائمة.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الحكمة والحصافة في إدارة العملية الاقتصادية؛ إذ يجب ألا يُدار الإنفاق الداخلي كضخ عشوائي للسيولة بغرض الإنعاش الاستهلاكي المجرد، بل ينبغي ضبطه وتوجيهه بدقة نحو الطاقة الإنتاجية الحقيقية التي تضمن زيادة معروض السلع والخدمات المحلية بالتوازي مع نمو الطلب، نظراً لأن التوسع النقدي بغير طاقة إنتاجية تسنده يتحول سريعاً من علاج إلى داء.
في النهاية، تمثل التهديدات الجيوسياسية التي تطال الشرايين البحرية في الخليج تجربة قاسية، غير أنها تحمل في طياتها فرصة تاريخية لإحداث تحول هيكلي مستدام. إن تحويل هذا التحدي إلى فرصة لا يتطلب سوى تجاوز صدمات الأجل القصير، وبناء اقتصاد متنوع يستمد قوته من قدراته الذاتية، وتديره سياسات مالية ونقدية جريئة تضع الإنتاج الوطني والاستثمار المحلي في مقدمة الأولويات الاستراتيجية؛ إذ إن الرهان القديم على استمرارية تدفق النفط وعائداته دون انقطاع قد أثبتت وقائع مضيق هرمز أنه لم يعد كافياً.
*المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي